الكتابة الهامشية للتلميذ المغربي

رسم على الطاولة المدرسية

تكشف الكتابات الهامشية التي ينجزها التلميذ على الطاولة المدرسية عن دلالات تتجاوز ظاهرها بوصفها مجرد سلوك عابر، إذ يمكن النظر إليها باعتبارها شكلاً من أشكال التعبير غير المباشر عن عالمه النفسي والاجتماعي. فحين يعمد المتمدرس إلى استعمال القلم أو أي أداة أخرى لترك كلمات أو رموز أو رسومات على الطاولة، فإنه غالبًا ما يسعى إلى تفريغ ما يختلج ذاته من انفعالات وأفكار يصعب الإفصاح عنها بالوسائل التقليدية. وتعكس هذه الكتابات، في كثير من الأحيان، حالة نفسية تتسم بالقلق والضغط والخوف من المستقبل والشعور بالإحباط أو فقدان التقدير الذاتي، كما قد تعبر عن معاناة اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالفقر والهشاشة والصعوبات الأسرية وما يرافقها من إحساس بالحرمان وعدم تكافؤ الفرص. ومن ثم، فإن الكتابة الهامشية تمثل مؤشراً دالاً على تفاعل التلميذ مع محيطه النفسي والاجتماعي، الأمر الذي يقتضي مقاربتها بوصفها ظاهرة تستحق الفهم والتحليل، لا مجرد سلوك يستوجب المنع أو العقاب.

تخضع هذه المظاهر لجملة من العوامل المتداخلة، يمكن إجمالها في شرطين أساسيين: أولهما: شرط ثقافي يرتبط بمنظومة القيم والتمثلات التي يتأثر بها التلميذ داخل أسرته ومحيطه الاجتماعي، وثانيهما: شرط تاريخي يتجسد في تراكم الإخفاقات والانتكاسات التي يعيشها الفرد والمجتمع، وما تفرزه من إحساس بالإحباط وعدم اليقين. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى نشوء ظروف ذاتية وموضوعية تضعف التوازن النفسي للتلميذ، فتنعكس عبر مجموعة من ردود الفعل التي تعبر عن اختلال العلاقة بالمؤسسة التعليمية وبالتعلم نفسه. وتتجلى هذه السلوكات في ثلاثة مظاهر رئيسية: 1- السلوك اللغوي الذي يتمثل في استعمال ألفاظ نابية أو عبارات ساخرة تكسر النظام التواصلي داخل القسم وتعكس نزعة الرفض والتمرد.

2- السلوك الجسدي الذي يظهر من خلال حركات وإيماءات غير مألوفة أثناء الدخول أو الجلوس أو التفاعل داخل الفصل، بما يجعل الجسد وسيلة للتعبير عن مواقف وانفعالات يصعب الإفصاح عنها لفظيًا.

3- الكتابة الهامشية على الطاولات والسبورات والجدران، حيث يلجأ التلميذ إلى تدوين عبارات أو رسم أشكال ورموز تعكس همومه ومواقفه أو احتجاجه على المدرسة أو الإدارة أو الواقع الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الكتابة الهامشية آلية للتفريغ النفسي والتعبير الرمزي، إذ تكشف عن جوانب من شخصية المتمدرس وحالته النفسية، وتؤدي وظيفة قريبة من الاختبارات الإسقاطية في علم النفس، غير أنها تمتاز بقدر أكبر من العفوية والحرية، لأنها تصدر في الغالب بعيدًا عن الرقابة المباشرة، مما يجعلها أكثر صدقًا في التعبير عن الدوافع والانفعالات الكامنة. يقول Pulver: "الكتابة من خلال دلالتها الرمزية هي إسقاط للشخصية"، فالكتابة هي محاولة للتعبير وتبليغ المراد، فعندما اكشف الإنسان أن الذاكرة لا تعي كل الخبرات الماضية أو المعلومات اللازمة لمواجهة ظروف الحياة، لجأ لتطوير أساليب جديدة للتعبير، فاستعمل الرسم والنقش وكان ذلك تمهيدا للكتابة، ولهذا عرفها ويليام جيفونز ( William Jevons) في كتابه " دروس أولية في المنطق" بأنها وسيلة للتواصل وأداة للتسجيل ومساعد على التفكير، وقد تضاربت الآراء حول نشأتها الأولى إلا أن ما يهمنا هو المراحل التي مرت بها، كما يصنفها أحمد فارس محمد إلى أربعة أدوار:

أ) الدور الصوري الذاتي: تدل فيه الصور على المعاني الذاتية المحسوسة، وهذا الدور كانت الكتابة فيه مقتصرة على التعبير عن مجالات الحياة.

ب) الدور الصوري الرمزي: زيدت صور رمزية تدل على المعاني المعنوية بالإضافة إلى الصور الذاتية.

ج) الدور المقطعي: وتدل فيه الكتابة على أول مقطع من اسمها.

د) الدور الهجائي: أصبحت تلك المقاطع حروفا وهو آخر خطوة بلغت إليه الكتابة.

ولهذا فالكتابة حسب تعبير روبير لافون ( Robert Lafon) "أداة للإبداع"، فهي تنظم الفكر وهي وسيلة للتفاهم إذ تسهل ارتباط الأفراد بعضهم ببعض.

إن دراسة ظاهرة الكتابة الهامشية للتلميذ المغربي على الطاولة يتطلب اعتماد مجموعة من الأدوات لتحليل الظاهرة ومنها: المنهج الوصفي الذي يقوم على زيارة الحجرات ونقل ما يوجد من كتابة على الطاولات، وتقنية الاستمارة التي تحتوي على أسئلة مقننة يتم الإجابة عنها، ثم تقنية المقابلة والتي يجب أن تتميز بالمرونة وإعطاء فرصة للتعبير الحر وغير الموجه.

وعند ملاحظة مضامين الكتابات الموجودة على الطاولات المدرسية نجدها متميزة ومتعددة بحيث تختزل الطاولة عوالم كثيرة: كتابات وأحاديث دينية، أسماء الممثلين، مقاطع شعرية، فرق رياضية وأسماء لاعبيها، كلمات السب والشتم، رموز لوجوه نسائية، وعبارات عاطفية...

فالطاولة هي الذاكرة الشعبية للتلميذ ترتبط فيها الكتابة بالوسط الاجتماعي وبالحالة النفسية للتلميذ. وهذا الجدول يشير إلى بعض الرموز التي نجدها في معظم القاعات الدراسية والأبعاد النفسية والاجتماعية التي تدل عليها.

جدول الرموز والدلالات النفسية والاجتماعية

تمثل الكتابة الهامشية لدى التلميذ عالماً تعبيرياً خاصاً، يقوم على تعدد الرموز واللغات، حيث تتداخل فيها اللهجة الدارجة مع اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها، كما تتجسد في أشكال متنوعة تشمل الكلمات والعبارات والرسوم والألوان والرموز، لتشكل في مجموعها خطاباً يحمل دلالات نفسية واجتماعية وثقافية. وتنبع هذه الكتابات من واقع التلميذ وما يحيط به من مؤثرات، فتتأثر بدوافعه الذاتية وما يعتريه من إحباطات وانفعالات شعورية ولاشعورية، كما تعكس تأثيرات الوسط الأسري والمدرسي والاجتماعي الذي ينتمي إليه. ومن ثم، فإن مضامينها لا تقتصر على كونها آثاراً كتابية عابرة، بل تمثل مؤشرات دالة على الحالة النفسية للمتمدرس، سواء في لحظات الفرح أو الحزن، والرضا أو التوتر، إذ يلجأ إليها باعتبارها وسيلة للتعبير عن مشاعره وأفكاره في ظل غياب قنوات فعالة للحوار والتوجيه والاحتواء. ويزداد هذا السلوك وضوحاً خلال مرحلة المراهقة المبكرة، التي تتميز بتحولات نفسية وانفعالات اجتماعية متسارعة، تجعل التلميذ أكثر ميلاً إلى البحث عن وسائل بديلة للتعبير عن ذاته وإثبات هويته والتنفيس عن الضغوط التي يعيشها.

إن مرحلة المراهقة من المراحل التي يجد التلميذ نفسه فيها أمام تساؤلات متعددة تتعلق بذاته ومستقبله وعلاقاته بمحيطه، ويكون في حاجة إلى من يصغي إليه ويقدم له إجابات مقنعة تلبي حاجاته النفسية والمعرفية. وعندما يغيب هذا الاحتواء داخل الأسرة أو المؤسسة التعليمية، قد يلجأ التلميذ إلى الكتابة الهامشية باعتبارها وسيلة رمزية للتعبير عن مشاعره وانفعالاته وما يختزنه من قلق أو رفض أو تطلعات. ولذلك فمعالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على المنع أو العقاب، بل تستدعي اعتماد مقاربة تربوية ونفسية شمولية تقوم على توفير مناخ آمن داخل الأسرة والمدرسة، يتيح للتلميذ حرية التعبير عن آرائه ومشاعره دون خوف من التهديد أو السخرية أو الرفض، مع الإصغاء إلى أفكاره وتشجيعه على الحوار والمشاركة الفاعلة. كما تقتضي تنمية روح المبادرة والاستقلالية لديه، ومساعدته على اكتساب مهارات الضبط الذاتي والانفعالي بما يسهم في توجيه سلوكه توجيهاً إيجابياً. وفي السياق نفسه، ينبغي للمؤسسة التعليمية أن توفر قنوات تربوية بديلة للتعبير، مثل المجلات والجرائد المدرسية والأنشطة الثقافية والفنية وتعزيز دور مراكز الاستماع، والتربية على القيم والأخلاق والمواطنة، إلى جانب الوعي الصحي والتربية المناسبة لكل مرحلة عمرية، بما يضمن نمواً متوازناً لشخصية التلميذ. ولا يكتمل نجاح هذه الجهود إلا بتعزيز التعاون والتكامل بين الأسرة والمدرسة، باعتبارهما المؤسستين الأساسيتين في تنشئة التلميذ وتوجيهه.