ندوة حقوق الإنسان في الأديان

بسم الله الرحمان الرحيم

مداخلة تحت عنوان:
حقوق المرأة بين الرؤية القرآنية والمواثيق الدولية

في ندوة
حقوق الإنسان في الأديان

من تأطير الباحثة مليكة الكود

أيام 29 – 30 يونيو 2009
في رحاب كلية الآداب بجامعة السلطان المولى سليمان
ببني ملال

المحور:
المحور الثاني: دراسات مقارنة بين حقوق الإنسان في الأديان والإعلانات العالمية والدولية.

عنوان المداخلة:
حقوق المرأة بين الرؤية القرآنية والمواثيق الدولية.

ملخص عن المشاركة:

إن الدراسة العلمية المعرفية المتكاملة لموضوع حقوق المرأة تقتضي الانطلاق من الإطار المعرفي الضابط للرؤية والحاكم للمنهج، والذي يمكننا من النظر في قضايانا من خلال خصوصيتنا الحضارية. فحضور المرأة في التصور القرآني أمانة وتكليف ومسؤولية شرعية وحضارية، يسندها شمول الرسالة وتحمل الأمانة، وهو بذلك حق موصول ومصلحة راجحة، أما في المنظومة الغربية فحضور المرأة حق تطالب به وهدف تطمح إليه وتحاول شرعنته عبر الإعلانات والمواثيق الدولية.

وبالتالي، فمحاكمة النسق الثقافي والحضاري الإسلامي المستند إلى الرؤية القرآنية الخالدة، قياساً بالنسق الغربي المؤسس على معايير مختلفة ومناهج مغايرة، يوقعنا في تناقضات ومغالطات جمة تدعونا للتفكير التاريخي المؤسس للمعرفة، والذي يعين على بناء نموذج فكري مسدد لحركة المرأة في أدق منحنياتها ودلالاتها والموجه لمستويات الوعي الحضاري البناء، القائم على الرؤية الكلية للمقاصد الشرعية، والمستوعب لواقع المرأة بالنظر إلى التحديات التي تعيشها، والمستلهم لروح التجديد والاجتهاد والحس النقدي، بل والقادر على تجاوز التسطيح والتكديس في تناول النصوص المؤطرة، وغياب العمق والتحليل أو حضور النزعة التصادمية على مستوى المنهج والكتابة في موضوع المرأة.

ولهذا سنحاول بإذن الله من خلال هذه المداخلة المتواضعة، تناول الموضوع انطلاقا من المنظور القرآني لقضية المرأة والذي من شأنه أن يمنحنا استقلالية حضارية انطلاقا من الهوية التي تكسبنا حصانة مفاهيمية ومنهجية منضبطة بالأصول العامة لهذا الدين.

فالقرآن الكريم يرتكز على ثلاث أصول أساسية تشكل بوصلة الرؤية ومفاتيح التعامل مع قضية المرأة:

أصل التكريم: ويستند إلى مرتكزات وشواهد دقيقة في القرآن الكريم، تؤسس لنظرة إنسانية راقية للمرأة، يقول تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر﴾ (الإسراء: 70)، فقد أقر القرآن مجموعة من الحقوق من أجل تحقيق إنسانية المرأة الكاملة كحق الحياة والحرية والعدالة وحق الحماية والاستخلاف.

أصل التكامل: المرأة أحد شطري النوع الإنساني، وأحد شقي النفس البشرية، يقول تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ (النساء: 1)، فالأصل قائم على المساواة، والفوارق استثناء، كما أن أصل المساواة يتأكد بالجزاء كما في قوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ (آل عمران: 194).

أصل التكليف: والتكليف إذن بالمشاركة والانخراط في شؤون المجتمع، فقد أعاد القرآن الاعتبار لإنسانية المرأة وأهليتها المطموسة وجعلها الشق الآخر للحياة، فقال عليه الصلاة والسلام: "النساء شقائق الرجال" رواه الترمذي.

وهكذا التقطت نساء العهد النبوي هذه الإشارات فكانت حقبة مميزة في تاريخ المرأة وأحدثت تغييرا جذريا في أوضاعها بنص القرآن والسنة الشريفة والقدوة النبوية.

وبذلك فالإسلام يرسم معالم شخصية المرأة في تكامل مع دور الرجل، بما لا يتنافى مع استقلاليتها، فيدعوها الخطاب القرآني إلى الثقة بالذات، والموقع، والهوية، فتدرك بذلك الثغر الذي تقف عليه والذات الكبرى التي تنتمي إليها، غير متجاوزة أبدا إلى مواقع تزل فيها الأقدام، وتبدد فيها الطاقات.

لكن ضعف الممارسة الإسلامية قد انعكس سلبا على وضع المرأة، إذ تحكمت التقاليد والأعراف، والاستغلال الجزئي للنصوص، بعيدا عن نور الوحي وإشراق النبوة، مما سمح باختراق الأمة من خلال بوابة المرأة.

ولهذا سنحاول كذلك، من خلال هذه المداخلة الوقوف على الإرهاصات الأولى لنشأة الفكر النسوي فلسفة ورؤية، في القرن العشرين رغم أن بداياته الأولى انطلقت قبل ذلك، من خلال دائرة الصراع مع النظم العقدية اليهودية/المسيحية (المحرفة)، ومحاولة تعويض هذه الأفكار والمعتقدات والتقاليد الأبوية الذكورية، كما وردت في نصوص كتاب العهد القديم والجديد والتي مجدت الأب/الذكر وقللت من شأن المرأة، بل وجعلتها في مصاف الأشياء التافهة.

كما أن الصفات السلبية ظلت لصيقة بالمرأة تحط من قدرها وتنتقص من قدراتها العقلية والفكرية، فتفاعل معها الكثير من الفلاسفة بنفس المنطق الإقصائي، فقد صنفها أفلاطون مع العبيد والأشرار، وجعلها أرسطو ذكرا مشوها، أما العقل عند كانط وغيره فهو محمل بكل صفات الذكورة.

هذه السياقات المتراكمة مهدت الطريق لصياغة وثنية نسوية جديدة كانت بمثابة الأرضية الخصبة لميلاد دعوات التحرر والتحلل من كل القيود، فمنذ بداية القرن العشرين والمجتمع الدولي يسعى لتقنين حقوق المرأة، منذ اتفاقية لاهاي في 1912، مرورا بعدد من المعاهدات والمواثيق، بعضها لم يتم تفعيله كالإعلان العالمي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة، الصادر عام 1974، ونذكر كذلك بين هذه المؤتمرات، مؤتمر القاهرة الدولي للسكان والتنمية، وكان من الأهداف التي سعى إليها تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة وذلك بإزالة جميع الحواجز القانونية والسياسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة.

وصولا إلى مؤتمر بكين الذي يفيد بأن حقوق المرأة هي من حقوق الإنسان، وأضاف العديد من المصطلحات المتعلقة بالعلاقة بين الذكر والأنثى وحقوق المرأة على حدة والطفلة الأنثى، كما ركز على مفهوم الجندر وطالب بضرورة تغيير الصورة النمطية للمرأة في المجتمع والإعلام.

من خلال وضع هذه المؤتمرات في سياقاتها التاريخية، نلمس تركيزها على ثلاث منطلقات:

منطلق التماثل: الذي يستند إلى آلية انعدام التمييز بسبب الجنس، وتجاوز ثنائية ذكر/أنثى، وبالتالي إعادة النظر في تقسيم الأدوار واستعمال مصطلح النوع.

منطلق إلغاء الخصوصيات: يسعى إلى عولمة قضية المرأة، وتأكيد طابعها الكوني دون مراعاة الخصوصيات الحضارية لكل مجتمع، ومن ثم ضرورة مطابقة قوانين الدول الداخلية للمواثيق الدولية، فالحرب على أفغانستان مثلا كان من بين دواعيها كما أعلن بوش، هو "تحرير المرأة الأفغانية".

منطلق تفكيك النظام الأسري: قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 843 بتاريخ 17 دجنبر 1954 أكد أن بعض الأعراف والعادات القديمة المتصلة بالزواج والأسرة تتنافى مع المبادئ العامة للأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ثم نستعرض موقف علماء المسلمين وكذلك موقف الفاتيكان من هذه المؤتمرات، ولا تفوتنا الإشارة إلى أن إضفاء العلمية على هذه الأطروحات كان من الأسباب التي أدت إلى الانبهار بها ومحاكمة الإسلام كدين بدلا من النظر إلى الممارسة تجاه المرأة كتجربة تاريخية وفهم قابل للخطأ أو الصواب.

إن المسلم اليوم مدعو للتمييز بين التفاعل بين الحضارات وبين الانفتاح الذي يحمل في طياته طمسا فكريا ومسخا حضاريا، فحجر الزاوية في بناء الحضارات هو الانطلاق من معالم عقدية تحدد هوية الأمة، ويتشكل لديها الرصيد النفسي المساعد على النهضة والتقدم.