التلميذ وسؤال المنظومة التربوية بالمغرب: مقاربة نظرية ونقدية
تُعد التربية ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتنمية المجتمعات، إذ تمثل عملية اجتماعية وثقافية تهدف إلى تنمية شخصية الفرد وصقل معارفه وقيمه ومهاراته، بما ينسجم مع متطلبات المجتمع وتحولاته الحضارية. كما تُعد، باعتبارها فعلاً مؤسسياً، مشروعاً مجتمعياً يعكس اختيارات الدولة الثقافية والسياسية والاقتصادية، وتتجسد آلياته داخل المؤسسات التعليمية التي تتقاسم مسؤولية التنشئة والتكوين مع الأسرة وباقي مؤسسات المجتمع. ويحتل المتعلم موقعاً مركزياً داخل هذا المشروع، إذ يمثل الغاية الأساسية للعملية التربوية، والرأسمال البشري الذي تراهن عليه الدول لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمع المعرفة. ومن ثم، فإن طبيعة تكوينه، ونوعية المعارف والقيم التي يكتسبها، ومستوى اندماجه في الحياة المدرسية، تعد مؤشرات حقيقية على نجاح أو إخفاق المنظومة التربوية.
وقد انشغل الفكر التربوي الحديث بالإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة المعرفة المدرسية، ووظيفة المدرسة، وأدوار المدرس، ومكانة المتعلم داخل الفعل التربوي، والعلاقة التي ينبغي أن تربط بين مختلف الفاعلين التربويين. وأسفر هذا الاهتمام عن ظهور نظريات ومدارس تربوية متعددة، حاولت كل منها تفسير عملية التعلم من زاوية معينة.
فقد دعت البراغماتية، التي يمثلها جون ديوي، إلى جعل الخبرة العملية أساساً للتعلم، معتبرة أن المدرسة ينبغي أن تكون امتداداً للحياة الاجتماعية، وأن المعرفة الحقيقية تُبنى من خلال الممارسة وحل المشكلات، لا عبر التلقين والحفظ. أما الحركة الطبيعية، التي ارتبطت بفكر جان جاك روسو، فقد أكدت ضرورة احترام طبيعة الطفل ومراحل نموه، وجعل المتعلم محور العملية التعليمية، بعيداً عن الإكراه والسلطة المفرطة.
وركز الاتجاه التحليلي النفسي، مع سيغموند فرويد، على تفسير السلوك الإنساني في ضوء الدوافع اللاشعورية والانفعالات النفسية، بينما نظر الاتجاه الاجتماعي، الذي مثله إميل دوركايم وبيير بورديو، إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة اجتماعية تسهم في التنشئة وإعادة إنتاج القيم والبنيات الاجتماعية السائدة. وفي المقابل، أكدت النظرية البنائية، مع جان بياجيه، أن المعرفة لا تُلقن للمتعلم، وإنما يبنيها بنفسه من خلال التفاعل مع محيطه، في حين فسرت النظرية السلوكية، مع جون واطسون وإيفان بافلوف وبورهوس سكينر، التعلم باعتباره تغيراً في السلوك ناتجاً عن المثيرات الخارجية وآليات التعزيز. أما نظرية الجشطلت، فقد أبرزت أهمية الإدراك والاستبصار في بناء التعلم، مؤكدة أن الإنسان يدرك الظواهر في صورتها الكلية قبل تحليل عناصرها الجزئية.
ولم تقتصر المقاربات التربوية على هذه الاتجاهات، بل ظهرت مواقف نقدية أعادت النظر في وظيفة المدرسة نفسها. فقد اعتبر إيفان إيليتش أن المدرسة الحديثة أصبحت مؤسسة بيروقراطية تحد من حرية التعلم، ودعا إلى مجتمع يتعلم أفراده خارج القيود المدرسية. كما أكد كارل روجرز، انطلاقاً من علم النفس الإنساني، أن التعلم الحقيقي لا يتحقق إلا في مناخ يسوده الاحترام والثقة والحرية. ومن جهته، رأى لويس ألتوسير أن المدرسة تمثل أحد الأجهزة الإيديولوجية للدولة التي تسهم في إعادة إنتاج البنيات الاجتماعية والاقتصادية، بينما ذهب بيير بورديو وجون كلود باسرون إلى أن النظام التعليمي يمنح الشرعية للثقافة المهيمنة ويعيد إنتاج اللامساواة الاجتماعية بدل الحد منها.
وقد انعكس هذا التطور النظري على الممارسة التربوية، فظهرت تصنيفات علمية للأهداف التعليمية، مثل تصنيف بنجامين بلوم للمجال المعرفي، وتصنيف ديفيد كراثول للمجال الوجداني، ونظرية إريك إريكسون في النمو النفسي والاجتماعي، إضافة إلى تصنيفات المجال الحسّي الحركي. كما ظهرت طرائق بيداغوجية حديثة، من أبرزها طريقة ماريا مونتيسوري القائمة على التعلم الذاتي واحترام استقلالية الطفل، وطريقة أوفيد ديكرولي التي تربط التعلم بحاجات المتعلم ومراكز اهتمامه، فضلاً عن الطرائق التي جعلت اللعب والاكتشاف مدخلاً لبناء المعرفة.
ورغم أن التراث الإسلامي عرف بدوره إسهامات تربوية مهمة مع الغزالي وابن سحنون وابن جماعة وابن خلدون، فإن هذه الجهود ظلت مرتبطة بالسياقات الفكرية لعصورها، ولم تتبلور في صورة مدارس تربوية بالمفهوم العلمي الحديث، وإن كانت قد أرست مبادئ تربوية ما تزال تحتفظ بقيمتها العلمية والأخلاقية.
وتقود هذه المسارات الفكرية إلى طرح سؤال محوري يتعلق بواقع المنظومة التربوية العربية عامة، والمغربية خاصة: إلى أي حد أصبح المتعلم محور السياسات التعليمية؟ وهل تؤدي المدرسة المغربية وظيفتها باعتبارها فضاءً لبناء الإنسان وإنتاج المعرفة، أم أنها ما تزال تعيد إنتاج الاختلالات الاجتماعية والثقافية؟
لقد شهد المغرب منذ الاستقلال سلسلة طويلة من الإصلاحات التربوية، غير أن نتائجها ظلت دون مستوى التطلعات، بسبب غياب رؤية استراتيجية متكاملة واستمرار التعامل مع التعليم بمنطق الإصلاحات الجزئية. وفي هذا السياق، انتقد المهدي المنجرة الإصلاحات التعليمية، معتبراً أنها تفتقر إلى مشروع حضاري واضح، ووصفها بأنها مجرد عمليات "ترقيع" لا تمس جوهر الأزمة، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية مستقبلية شاملة للتربية والتنمية. ويتقاطع هذا الطرح مع ما ذهب إليه بول كينيدي حين اعتبر أن المجتمعات التي تفتقد ثقافة المشروع والرؤية الاستراتيجية يصعب عليها تحقيق التنمية المستدامة.
وفي المقابل، يرى جون ديوي أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أصبحت المدرسة مجتمعاً مصغراً يعكس الحياة الاجتماعية الحقيقية، لأن التربية ليست إعداداً للحياة، بل هي الحياة نفسها، وهي عملية مستمرة لإعادة بناء الخبرة الإنسانية وتنمية قدرات الفرد على المشاركة الفاعلة في المجتمع.
غير أن الواقع التعليمي بالمغرب يكشف استمرار عدد من الإكراهات البنيوية، من قبيل ضعف جودة التعلمات، وارتفاع معدلات الهدر المدرسي، وتنامي الفوارق المجالية والاجتماعية، وتراجع الثقة في المدرسة العمومية، وهو ما دفع شريحة واسعة من الأسر إلى اللجوء إلى التعليم الخصوصي بحثاً عن تعليم أكثر جودة. كما أصبحت المؤسسة التعليمية في كثير من الأحيان مجالاً لتجريب إصلاحات ومناهج متعاقبة دون استقرار فلسفي أو بيداغوجي، الأمر الذي انعكس سلباً على مكانة المدرسة وعلى صورة المتعلم داخلها.
وتؤكد التجارب الدولية أن نجاح أي إصلاح تربوي يقتضي احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل مجتمع، وعدم الاكتفاء باستنساخ النماذج الأجنبية. وقد عبر مايكل سادلر عن هذه الفكرة حين أكد أن النظام التربوي كائن اجتماعي حي، نشأ في سياق تاريخي وثقافي خاص، ولا يمكن نقله ميكانيكياً من مجتمع إلى آخر، لأن فعالية أي نظام تعليمي ترتبط بمدى انسجامه مع البيئة الحضارية التي ينتمي إليها.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مستقبل المدرسة المغربية يظل رهيناً ببلورة فلسفة تربوية وطنية واضحة، تجعل المتعلم محوراً حقيقياً للإصلاح، وتربط المدرسة بحاجات المجتمع ومشروعه الحضاري، وتؤسس لعلاقة تربوية قائمة على الحوار والمشاركة والإبداع، بما يضمن تكوين مواطن يمتلك المعرفة والقيم والكفايات اللازمة للإسهام في بناء مجتمع ديمقراطي منتج وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.
