النص الشرعي والمقاصد
ارتبط الإنسان، منذ نشأته، بالوحي الإلهي، وظل على امتداد التاريخ يتطلع إلى معرفة الغيب واستكشاف أسراره. وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يكون اتصال الإنسان بربه عن طريق الوحي، فبعث الأنبياء والرسل لتبليغ رسالاته وهداية الناس إلى صراطه المستقيم. ثم خُتمت النبوة، وانتهى دور الأنبياء المباشر، وأصبحت مسؤولية البحث عن هدي الله واستنباط أحكامه منوطة بالإنسان، من خلال ما وهبه الله من أدوات الفهم، وفي مقدمتها النص الشرعي والعقل، وبذلك تحرر الإنسان من كل وساطة بينه وبين الدين.
ولقد كان تطبيق الشريعة الإسلامية هاجسًا لكل مسلم مخلص عبر مختلف العصور، غير أن هذا الهاجس أصبح اليوم أكثر إلحاحًا، نتيجة الشعور بغياب التطبيق الكامل لأحكام الشريعة عن واقع الحياة، مع بقاء الأمل في استئناف تنزيلها بما يحقق مصالح الناس ويهدي واقعهم. ولا يمكن بلوغ هذا المقصد إلا من خلال اجتهاد علمي رصين، يقوم على الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، واستيعاب مقاصدها الكلية، باعتبار أن إدراك المقاصد يمثل ضرورة لكل عملية تشريعية أو تنزيلية، حتى توضع الأحكام في مواضعها، وتتحقق الغايات التي قصدها الشارع الحكيم.
أولًا: النص الشرعي
1 - مفهوم النص الشرعي
يعد مصطلح النص من المصطلحات التي تعددت تعريفاتها، واختلفت دلالاتها باختلاف العلماء والاتجاهات، الأمر الذي يجعل تحديد مفهومه مدخلًا منهجيًا ضروريًا لهذه الدراسة.
فمن الناحية اللغوية، يطلق النص على كل ملفوظ أو مكتوب، سواء كان منقولًا أو منشأً، وهذا هو المعنى اللغوي العام للمصطلح. غير أن بعض اللغويين خصصوا هذا المفهوم بدلالات أكثر دقة؛ فقد ذكر ابن الأعرابي أن النص هو "الإسناد إلى الرئيس الأكبر، كما يأتي بمعنى التوقيف والتعيين على شيء ما"[1] أما الأزهري، فقد اقترب في تعريفه من المعنى المقصود من اللفظ وثمرته، ولم يقف عند حدود اللفظ ذاته، إذ يرى أن أصل النص هو «منتهى الشيء ومبلغ أقصاها»، وكأن النص عنده يمثل ثمرة عمل العقل واجتهاده في فهم الملفوظ، وليس مجرد اللفظ في ذاته.
ومن هذا المعنى انطلق الفقهاء عندما قرروا أن النص في القرآن الكريم والسنة النبوية هو ما دل ظاهر لفظهما على الأحكام الشرعية، فالنص ليس مجرد ألفاظ أو عبارات، وإنما هو الدلالة التي تنتهي إليها عملية الفهم والاجتهاد في الألفاظ الشرعية.
أما في الاصطلاح، فإن جمهور الأصوليين لا يطلقون النص على مطلق ألفاظ الكتاب والسنة، وإنما يخصونه بما بلغ غاية الوضوح في الدلالة، بحيث يفيد حكمًا معينًا لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو لا يقبل التأويل.
وفي هذا السياق، عرف الجرجاني النص بأنه: «ما ازداد وضوحًا على الظاهر لمعنى في المتكلم، بحيث لا يحتمل إلا معنى واحدًا»، وقيل أيضًا: «هو ما لا يحتمل التأويل». ويكشف هذا التعريف على أن النص يتميز بوضوح دلالته وقوة ظهوره، بما يرفع عنه الاحتمالات المؤثرة في فهمه.
أما التهاوني، فقد ذكر أن لفظ النص استعمل عند الأصوليين في خمسة معانٍ، هي:
- الأول: كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب والسنة، سواء كان ظاهرًا أو نصًا أو مفسرًا، حقيقة أو مجازًا، عامًا أو خاصًا.
- الثاني: اللفظ الظاهر، وهو المعنى الذي ذهب إليه الإمام الشافعي، باعتبار أن النص في اللغة يفيد الظهور والبيان.
- الثالث: اللفظ الذي لا يتطرق إليه احتمال أصلًا، لا قريبًا ولا بعيدًا، وهو أشهر استعمالات الأصوليين.
- الرابع: اللفظ الذي لا يحتمل تأويلًا مقبولًا تدعمه الأدلة، أما الاحتمال المجرد الذي لا يستند إلى دليل فلا يخرجه عن كونه نصًا.
- الخامس: الكتاب والسنة، في مقابل الأدلة الاجتهادية الأخرى، كالإجماع والقياس.
ويتبين من خلال هذه الاستعمالات أن مفهوم النص عند الأصوليين يتراوح بين معناه العام، الذي يشمل جميع ألفاظ الكتاب والسنة، ومعناه الخاص، الذي يقصد به اللفظ الواضح الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا أو لا يقبل تأويلًا معتبرًا. ويظل هذا المعنى الأخير هو الأشهر في كتب أصول الفقه، لما يترتب عليه من آثار في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها.
خصائص النص الشرعي
يتصف النص الشرعي بجملة من الخصائص التي تميزه عن غيره من النصوص، ومن أبرزها خاصية الإطلاق. ويقصد بالإطلاق أن النص الشرعي متجاوز لقيود الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهو ما عبّر عنه علماء العقيدة بقولهم إن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق. ولا يراد بذلك نفي نزوله في سياق تاريخي معين، وإنما التأكيد على أن مصدره الإلهي يجعله صالحًا لكل زمان ومكان، وغير مقيد بالظروف التي نزل فيها.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن النص الشرعي يتميز بالإطلاق، في حين أن الواقع يتصف بالنسبية والتغير المستمر. فالنص يحمل المبادئ والقيم والمقاصد الكلية، بينما يمثل الواقع مجال تنزيل تلك المبادئ على الوقائع المتجددة. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى الاجتهاد، بالنظر إلى أن الواقع يتغير بتغير الأشخاص والأحداث والنظم، في حين يبقى النص ثابتًا في مصدره وأصوله.
ومن الخصائص التي ينبغي مراعاتها كذلك، أن النص الشرعي ورد باللغة العربية، واللغة بطبيعتها تحتمل دلالات وأساليب متنوعة، وهو ما قد يترتب عليه بعض الإشكالات المتعلقة بالفهم والاستنباط. ولذلك أفرد علماء أصول الفقه مباحث خاصة لدراسة ما يعرض للألفاظ من احتمالات قد تؤثر في فهم النصوص، وهو ما أشار إليه البيضاوي في مباحثه المتعلقة بـ"ما يخل بالفهم"
الغاية من تلقي النص الشرعي
دعا القرآن الكريم إلى تلقي النص الشرعي بالتلقي الواعي القائم على السماع والتدبر والتفكر، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ (البقرة: 93)، وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204)، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 18)
وإذا كان تلقي النص الشرعي واجبًا شرعيًا، فإن هذا الوجوب لا بد أن يكون مرتبطًا بغاية أرادها الشارع الحكيم، إذ أن كل حكم شرعي إنما شرع لتحقيق مقصد معين. ويمكن تقسيم غايات تلقي النص إلى قسمين: غايات أولية وغايات نهائية.
فالغايات الأولية: هي المقاصد المباشرة التي ينبغي أن يقصدها المكلف عند تلقي النص، ومن أهمها: التعقل، والتفكر، والتدبر، والفقه، والوعي، والاستنباط، والإحاطة العلمية، والفهم. وتمثل هذه المعاني المرحلة الأولى في عملية التعامل مع النص الشرعي، إذ تهدف إلى تكوين الفهم الصحيح لمقاصده ودلالاته.
أما الغايات النهائية: فهي المقاصد العملية التي تأتي بعد مرحلة الفهم، وتتجلى في تنزيل النص والعمل بمقتضاه. ولذلك تعد هذه الغايات الثمرة الحقيقية لعملية التلقي، ورغم تعددها في القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنها تتقارب في مدلولها، أو يندرج بعضها ضمن بعض، أو يفضي بعضها إلى بعض. ومن أبرز هذه الغايات: اتباع النص، وإقامة أحكامه، والتحاكم إليه، والأخذ به بقوة، والاستمساك به، والاتعاظ به، والاستبصار به، والتذكر، والشكر، وغيرها من المقاصد التي يمكن جمعها في غاية جامعة، هي العمل بما دل عليه النص بعد فهمه وتدبره[2].
وقد تنبه الإمام أبو إسحاق الشاطبي إلى هذه الحقيقة، فجعل العمل ثمرة العلم ومقصده، فقال في مقدمته الرابعة من الموافقات[3]: (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونًا في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية.) كما قرر في المقدمة الخامسة أن:( كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي)، موضحًا أن المقصود بالعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح معًا. ثم أكد في المقدمة السابعة أن كل علم شرعي إنما يطلب من حيث كونه وسيلة إلى التعبد لله تعالى، لا غاية مستقلة في ذاته.
مفهوم المقاصد
المقاصد جمع مقصد أو مقصود، وهي مشتقة من الفعل قصد، الذي يدل في اللغة على معانٍ متعددة متقاربة، منها استقامة الطريق، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (النحل). كما يأتي بمعنى العدل، والوسط، والاعتماد، والرفق، والعزم، والعمل، وجميع هذه المعاني تدور حول معنى التوجه إلى الشيء وقصده.
أما في الاصطلاح، فإن المؤلفات الأصولية الأولى لم تقدم تعريفًا جامعًا مانعًا للمقاصد الشرعية، إذ انصرف اهتمام المجتهدين الأوائل إلى استحضارها وتطبيقها في الاجتهاد والفتوى أكثر من عنايتهم بصياغة تعريف اصطلاحي لها. ولذلك لم يضع الإمام أبو إسحاق الشاطبي تعريفًا محددًا للمقاصد الشرعية، وإنما استخلص مفهومها من خلال بيان الغاية العامة للتشريع، حيث قرر أن (وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا)[4] ، كما قرر في موضع آخر أن الشريعة جاءت بما يحفظ مصالح الإنسان في دينه ودنياه.
وعلى خلاف المتقدمين، سعى عدد من العلماء المعاصرين إلى وضع تعريفات أكثر ضبطًا للمقاصد الشرعية، ومن أبرزهم العلامة محمد الطاهر بن عاشور، الذي قسم المقاصد الشرعية إلى قسمين: المقاصد العامة والمقاصد الخاصة، وعرّف كل قسم بما يبرز مجاله ووظيفته في التشريع.
فقد عرف مقاصد التشريع العامة بأنها:(المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بنوع معين من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من مراعاتها، كما يدخل في هذا أيضا معان من الحكم ليست ملحوظًة في سائر أنواع الأحكام وإن لم يشمل جميعها).[5]
أما مقاصد التشريع الخاصة، فقد عرفها بأنها:( الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مصالح الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة... ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزا والعائلة في عقد النكاح، ودفع الضرر المستدام في تشريع الطلاق[6].
أما العلامة علال الفاسي، فقد عرف مقاصد الشريعة بكونها الغاية، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكام الشريعة،.وجمع الدكتور أحمد الريسوني بين تعريف ابن عاشور وتعريف علال الفاسي، فقدم تعريفًا موجزًا وشاملًا، مفاده أن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد.
والمقصد في الأصل هو موضع القصد وغايته، وهو تعبير قرآني ورد في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (لقمان: 19)، وقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (النحل:9)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ (فاطر: 32). وقد أشار ابن القيم إلى أهمية فقه المقاصد فهو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان بينما يرى الإمام الشاطبي أن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود منها ما تفضي إليه من معانٍ ومصالح، ولذلك فإن الأحكام إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة
وقد أصبح علم المقاصد في العصر الحديث من أبرز مباحث الدراسات الشرعية، لما يؤديه من دور محوري في فهم النصوص الشرعية وتنزيلها على الوقائع المتجددة. فالعقل المقاصدي يمتلك القدرة على استكشاف الطاقات الكامنة في النصوص، وتأصيل المنطلقات، وابتكار الوسائل الكفيلة بتحقيق مقاصد الشريعة، واستشراف المستقبل في ضوء الرؤية القرآنية.
ومن هذا المنطلق، يسهم الفكر المقاصدي في بناء حضارة متوازنة، تجمع بين الدين والعلم، والإيمان والعقل، والروح والمادة، والدنيا والآخرة، والحق والقوة، والأخلاق والحرية. فالمقاصد الشرعية تمثل الإطار الذي يربط بين الهداية الربانية والمصالح الإنسانية، ويجعل التشريع الإسلامي قادرًا على مواكبة تطورات الحياة مع المحافظة على ثوابته وأصوله. ويقوم النظام المقاصدي، في عمومه، على تحقيق المصالح التي يفتقر إليها الوجود الإنساني؛ ولذلك جاءت الشريعة بحفظ المراتب الثلاث للمصالح، وهي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. ولا يتحقق ذلك إلا بالاعتماد على جملة من القواعد والضوابط التي توجه عملية الاجتهاد، والتي لا ينهض بها إلا من استكمل أدواته العلمية، أو ما عبَّر عنه الإمام الشافعي بـ«جمع الآلة»، مع مراعاة الواقع وتحقيق مصالح الدين والدنيا
ثالثًا: فوائد المقاصد وأهميتها في فهم النص الشرعي
تتسم الحياة الإنسانية بالتغير المستمر، فهي ليست جامدة أو ثابتة، الأمر الذي يجعلها في حاجة دائمة إلى الاجتهاد لمواكبة ما يستجد من قضايا ونوازل. ويعد علم المقاصد البوصلة التي تهدي المجتهد إلى الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وتحول دون الوقوع في الزلل عند استنباط الأحكام الشرعية وتنزيلها على الوقائع المستجدة.
وقد أدرك الصحابة - رضي الله عنهم- أهمية تحري مقاصد الشريعة، فكانت عنايتهم متجهة إلى استكشاف مراد الشارع قبل الوقوف عند ظواهر الألفاظ. وفي هذا السياق يقول ابن القيم رحمه الله: (وقد كان الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصود). ومن ثم، فإن العالم المجتهد لا يقتصر في تعامله مع النص الشرعي على ألفاظه، وإنما يتجاوزها إلى الوقوف على مقاصده ومراميه، باعتبار أن الألفاظ وسائل للتعبير عن مراد المتكلم، وليست غاية في ذاتها. ولهذا يقول ابن القيم أيضًا:( الألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟).
وتتجلى أهمية المقاصد بصورة أوضح عند معالجة النوازل التي لا يرد فيها نص خاص، إذ يكون المرجع فيها تحقيق المصالح ودرء المفاسد في ضوء المقاصد الشرعية الكلية. ومن ثم، فإن المجتهد الذي يفتقر إلى الفقه المقاصدي يشبه من فقد البوصلة، فيخوض في الاجتهاد دون هدى، بعيدًا عن مقاصد الشريعة وروحها.
ولا تقتصر فوائد المقاصد على المجتهدين وحدهم، بل تمتد إلى المفكرين والباحثين وسائر المهتمين بالعلوم الشرعية، لما لها من أثر في تقويم الفكر، وترشيد النظر، وتعميق الإيمان، وإبراز محاسن الشريعة الإسلامية. وفي هذا السياق يؤكد الدكتور أحمد الريسوني أن فائدة المقاصد لا تنحصر في الاجتهاد والمجتهدين، بل يمكن أن يتحصل عليها كل من تشبع بها أو أخذ بنصيب منها، وتكون فائدته بقدر علمه بمقاصد الشريعة وفهمه لها واعتماده عليها في تفكيره ونظره. ومن ثم، فإن المقاصد تمثل إطارًا منهجيًا يسدد الفكر ويوجهه، ويجعل النصوص الشرعية أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الثابت والمتغير، ويهدي المسلم إلى إدراك مشروعية أفعاله في ضوء مقاصد الشريعة. وقد عبر العلماء عن هذا المعنى بقولهم:(من عرف ما قصد هان عليه ما وجد).
ومن خلال تتبع ما كُتب في علم المقاصد، يتبين أن أغلب ما أضافه المتأخرون لم يخرج في جوهره عما قرره الإمام الشاطبي، وإنما انصب جهدهم على اختصار آرائه أو إعادة ترتيبها وصياغتها. وقد خلص العلماء إلى أن أهم الطرق التي تعرف بها مقاصد الشارع تتمثل فيما يأتي:
- النصوص الصريحة الدالة على التعليل في القرآن الكريم والسنة النبوية.
- استقراء تصرفات الشارع، وهو على نوعين:
- استقراء الأحكام التي عرفت عللها عن طريق مسالك التعليل، دون ورود نص صريح بها.
- استقراء الأدلة التي تشترك أحكامها في غاية واحدة أو باعث واحد.
- الاهتداء بفهم الصحابة رضي الله عنهم للنصوص الشرعية، لما امتازوا به من عمق الفهم وقرب العهد بالتنزيل.
ولو تتبع الباحث مقاصد الشريعة في القرآن الكريم والسنة النبوية لتبين له أن الله تعالى أمر بكل خير، صغيرًا كان أو كبيرًا، ونهى عن كل شر، دقيقًا كان أو جليلًا. فالخير يعبر عن جلب المصالح، والشر يعبر عن درء المفاسد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8). غير أن الإشكال لا يكمن في إدراك الخير والشر المحضين، وإنما يظهر عند تعارض المصالح أو المفاسد، أو عند الحاجة إلى ترجيح خير الخيرين أو شر الشرين، أو الموازنة بين المصلحة والمفسدة. كما أن إدراك المصالح والمفاسد يتفاوت بين الناس تبعًا لسلامة الفهم، واستقامة الفطرة، وقوة الملكة العلمية، وهو ما يفسر تفاوتهم في فهم النصوص والقدرة على استنباط الأحكام منها.
ويمكن التمييز في هذا السياق بين نوعين من المقاصد الشرعية: مقاصد الشارع في خطابه، ومقاصده في أحكامه. وإذا كان العلماء قد استقوا هذا التقسيم من الإمام الشاطبي، فإن الوقوف على مفهوم القصد الشرعي عنده يقتضي النظر في الجهات التي اعتمدها لمعرفة مقاصد الشريعة. فالجهة الأولى تتمثل في قصد الشارع من التكليف، وهو امتثال المكلف للأوامر واجتناب النواهي. وفي هذا المعنى يقول الشاطبي:(الأمر معلوم أنه إنما كان أمرًا لاقتضائه الفعل، فوقوع الفعل عند وجود الأمر به مقصود للشارع، وكذلك النهي معلوم أنه مقتضٍ لنفي الفعل أو الكف عنه، فعدم وقوعه مقصود له، وإيقاعه مخالف لمقصوده)[7].
أما الجهة الثانية، فتتمثل في المقصود الدلالي للخطاب الشرعي، أي ما يدل عليه النص في اصطلاح الأصوليين. ويستفاد هذا المعنى من قول الشاطبي في حديثه عن المسكوت عنه: والثاني أن يسكت عنه، أي (عن شرعية العمل، مع قيام المعنى المقتضي له) قائمًا، فلم يقرر فيه حكم زائد عند نزول النازلة على ما كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أنه لا يزاد فيه ولا ينقص.
أما الجهة الثالثة، فهي المقصود الشرعي من الحكم، والمتمثل في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهو المعنى الذي يستفاد من كلام الشاطبي في حديثه عن علل الأحكام ومقاصدها.
ومن خلال هذه الجهات الثلاث، يمكن استخلاص مفهوم المقاصد الشرعية عند الإمام الشاطبي، بأنها المعاني المصلحية التي قصدها الشارع من تشريع الأحكام، والمعاني الدلالية التي قصدها من خطابه، والتي تتحقق بامتثال المكلف للأوامر والنواهي الشرعية.
ويبدو أن الجهتين الثانية والثالثة هما المقصودتان عند عبد العزيز البخاري، حين تحدث عن «المعاني اللغوية» و«المعاني الشرعية» التي تمثل علل الأحكام، وهو ما يدل على وجود نوعين من الفقه: فقه النصوص، الذي يقود إلى معرفة مقاصد الشارع من خطابه، وفقه الأحكام، الذي ينتهي إلى إدراك مقاصد الشارع من تشريعه، أي العلل التي بنيت عليها الأحكام.
ومن ثم، فإن دلالة النص تعد من أهم الطرق الاستنباطية التي يتوصل بها المجتهد إلى معرفة قصد الشارع، إذ يتجلى البعد المقاصدي للنص في اشتمال صياغته على معنى يمثل العلة التي شرع الحكم من أجلها، ويكون السياق اللغوي الذي ورد فيه النص هو الطريق إلى إدراك تلك العلة وفهم مراد الشارع منها.
- النص الإسلامي بين الاجتهاد والجمود والتاريخية، د.محمد عمارة ط1 1998 ص 33 ↩
- راجع مقال "تلقي النص الديني: دراسة أصولية مقاصدية" أيمن صالح، إسلامية المعرفة، العدد 40 ص 38- 44 ↩
- الإمام أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، ج1 ص 42 ↩
- الموافقات في أصول الأحكام ج:2 ص 2 ↩
- محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس، 1985، ص 50 ↩
- المرجع نفسه، ص 154 ↩
- الموافقات، ج2 ص 393 ↩
