الصورة الشعرية بين الوهم والخيال
في الشعر الفلسطيني المعاصر

لم يكن وجود الشعر الفلسطيني المقاوم وجودا مغلقا أو متقوقعا، بل انطلق ليبشر بإنسانية هذا الأدب وعالميته، ولعل ما يجعله ينطلق نحو الإنسانية، إيمانه الملتزم بأن قضايا التحرر في العالم هي قضايا واحدة ترتبط فيما بينها برباط الحرية، والإلزام بحد ذاته حدد للشاعر الفلسطيني المقاوم ملامح وجوده في وطن تربطه بالعالم قضايا تحررية عادلة.

فإذا كان الشعراء، في الفترة المعاصرة على وجه الخصوص، قد اعتمدوا أساليب تعبيرية متنوعة، كان الرمز أكثرها استعمالا، فإن كثيرا منهم وقعوا أسرى لتأملات شعرية كثيرة، وقليل منهم من امتلك القدرة على التمييز بين مستويات الخيال والوهم في الشعر، بل تداخلت لديهم هذه العناصر، حتى صعب على المتأمل أن يدرك العلاقة اللغوية والمعنوية التي تنطوي عليها الصور الشعرية.

فالتعبير بالألفاظ ومن ثم خلق المعاني والظلال، و إبداع الصورة الشعرية يعتمد بالدرجة الأولى على الخيال، لأنه هو القوة الموحدة والطاقة المتكاملة القادرة على صهر الأشياء، حيث يتحول إلى واسطة للخلق والإبداع الشعري، وأداة لبناء علاقات جديدة داخل النص.

لهذا نجد في الشعر الفلسطيني المعاصر كثير من الشعراء الذين استطاعوا فهم الخيال على أنه طاقة ايجابية وليست سلبية كالوهم، فلفظة (الدم ) مثلا من أكثر الألفاظ المستخدمة في الشعر لديهم، و أكثرها دلالة واستخداما في القاموس الفلسطيني، وهي تأتي لتعبر عن ذلك المخزون اللغوي الذي لا يغادر القاموس الفلسطيني بدلالتها الواقعية والرمزية ، ونجد كذلك صورة الأرض ـ فلسطين ـ كإحدى الصور التي لم يتركها شاعر أو يتخل عنها، بل كانت عنصرا ملحا في الشعر الفلسطيني.

فالأرض ملحمة الإنسان في الوجود ، امتلك فيها إرادته وكون من طبيعتها وجدانه إنها تمثل وجدان الفلسطيني و تاريخه الطويل، تراب معجون بالعرق والدم ، وشجر مزروع بأيد تحمل عبق الزيتون، أعطاها الفلسطيني جهده فأعطته ثمارها، وأعطاها عرقه فأهدته رائحتها، ودفن فيها شهداءه فأعطته عظمة الأسطورة، ونشيد البطولة.

ولهذا شكل التراث الشعبي أجمل لوحات الوجدان التي ترسم الأرض الفلسطينية ، إذ لم يتوقف الصوت يوما عن التغني بها والحث على تحريرها

ففي قصيدة لسميح القاسم بعنوان الطريق وردت هذه الصورة:

بدمائنا نسقي جنينا… في التراب
ونرد حقلا … شاخ فيه الجذع ..
في شرخ الشباب .

ففي هذه الصورة استطاع الشاعر أن يعطي صورة خيالية مميزة و اعتمدت على ألفاظ تراكمت معانيها عندما ارتبطت في صورة شعرية، وأعطت موضوعا ، يستطيع المرء أن يتخيله مجسدا في نطاق الواقع، رغم أنه غير موجود حقيقة، لكن الألفاظ ، نراها تتركب في سياق محدد لتخلق صورة متخيلة، ذات موضوع أو صورة خيالية، يتحمل العقل تقبلها.

وفي قصيدة لخالد أبو خالد نرى هذه الصورة:

لن تطول جلستي إليك
راحل في اللحظة التي يموت فيها أصبع على الزناد

قد نتساءل: كيف يمكن أن نتخيل موت الأصبع على الزناد؟ لكن عندما نسير مع ظلال الصورة وخلفياتها المعنوية نجد هذه الصور خلقت خلف ألفاظها أو معانيها ظلالا قد يتخيلها العقل، فتصبح واقعا لديه ولدى الوجدان وآلية تخلق إمكانية التذوق الشعري عند المستمع أو المتلقي.

إن شعرنا الفلسطيني المعاصر، قدم ضمن نظرته الإنسانية نماذج من شعره تمتلئ معانيها إنسانية وتمتزج فيها قضايا النضال العالمية امتزاجا كاملا، ويمكن القول إن الشعر قدم لوحات الإنسان وتجاربه الثورية والنضالية أينما وجد وكيفما ناضل، واعتبر بذلك رائدا إنسانيا من أجل كرامة الإنسان وحريته مدافعا عن حق الإنسان كإنسان في البقاء ضمن إنسانية خيرة قاعدتها العدل والحرية.